تاريخ قارب الكَفه

نموذج محلي مختلف لصنف من اصناف القوارب العالمية

الكَفه هي النسخة الرافدينية لنوع من انواع القوارب الموجودة في انحاء العالم، و هو قارب “الكوراكل”. اقدم اثر لهذا النوع من القوارب هو نموذج فخاري وجد في ولاية ساكسونيا السفلى يعود الى سنة ٥٥٠٠ قبل الميلاد. ويُعتقد بأن هذا القارب قد صنعه مهاجرين كانوا قد قدموا الى أواسط اوربا من الشرق الأوسط، و قد أتوا معهم بالثقافة الزراعية الى اوربا. وتختلف أنواع قوارب الكوراكل في العالم في صناعتها، فهنالك التي لها إطارات جلدية و أخرى تستخدم أنواع مختلفة للسلال لتصنيعها؛ و في حالة الكَفه، تُستخدم السلة الملفوفة والتي تكون مقاومة للمياه بطليها بمادة (القير). الكَفه انتُجت واستُعملت في المنطقة الوسطى للعراق في نهر دجلة بين مديتني تكريت والكوت، و في نهر الفرات بين مدينتي هيت و السماوة.

النسب القديم

صُورت الكَفه في النصوص و الفن الرافديني في عصور مختلفة، بدايةً من وجودها على الاختام الاسطوانية السومرية و التي تعود لحوالي سنة ٣٥٠٠ قبل الميلاد. و تقترح الأدلة على ان صناعة الكَفه كانت تقليد لم ينقطع منذ ذلك الوقت. تعرض المنحوتات الآشورية صور للكَفه و هي تحمل العربات الحربية القديمة. وقد وصف البابليون سفينة نوح على شكل كَفه مدورة، وهذا يوحي بانهم كانوا يعتقدون ان الكَفه موجوده منذ قدم الازمنة. و قد وُصفت الكَفه في كتاب “التأريخات” للمؤرخ الاغريقي هيرودوتس (٤٥٠ قبل الميلاد)، و كذلك ذكرها رحالة اخرين ممن زاروا بلاد مابين النهرين، كما وردت في الادب العربي. اما في الاغاني الشعبية فقد ذُكرت بوصفها مكان سري للقاء العشاق. ونرى الكَفه في لوحات الفنانيين العراقيين الرواد (بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين) مثل اعمال الفنان عبد القادر الرسام .

وسيلة نقل متنوعة الاستخدامات

تبين الادلة المستنبطة من الاثار والأرشيف الفوتوغرافي (من القرن التاسع عشر الى القرن العشرين) ان الكَفف اختلفت بأحجامها و بتقنيات ومواد صنعها ايضاً. فمثلاً تصف النصوص الآشورية الكَفف بأنها مغطاة بالجلود. و تراوحت ابعاد كَفف صيادي الاسماك الصغيرة بين ١٢٠سم عرضاً و ٥٠ سم عمقاً. بينما تصل ابعاد كَفف الناقلات الى ٦ امتار عرضاً و ٢ م عمقاً. وكانت تستخدم من اجل نقل الحمولات الثقيلة كالبطيخ الاحمر والماشية والطابوق الخاص بالبناء (عادة من شمال بغداد نزولا الى مركز المدينة) وذلك حتى منتصف القرن العشرين. و كانت إعادة سحب الكَفف الى منطقة بداية النهر هو عمل تجاري واسع الانتشار في ذلك الوقت.

ناقلة الاشخاص

اعتُبرت الكَفه كذلك وسيلة لنقل الأشخاص عبر النهر؛ تُظهر الصور الفوتوغرافية من القرن العشرين اعداد تصل الى ٢٠ شخص مزدحمين داخل كَفه واحدة كبيرة. و هنالك تقارير لرحالة قاموا برحلات أطول في الكَفه حتى نهاية النهر. و كانت التقنية التقليدية انذاك للتجذيف هي بالوقوف مع مجذاف ذو مقبض طويل.

تجميع الكَفف

تعتبر الكَفه ايقونة من ايقونات الثقافة الرافدينية العراقية و هي مذكورة في الاغاني والشعر والرسم. و لأن شكل الكَفة مدور، فأن مجموعة الكَفف عندما توضع مع بعض تُكَوّن شكل يشبه ما يسمى بالـ (السبع عيون). وهي شكل شائع في الموروث الثقافي كتميمة لصد الحسد، و قد رُسمت على الكَفه كذلك كطلسم لجلب البركة و الحماية. يقدم مبدأ التجمع والاتحاد، و الذي يوحي به شكل السبع عيون، فكرة مشروعنا؛ سفينة نوح- بتخيل جديد. مشروعنا يقدم رؤية سفينة نوح على انها مجموعة من القوارب، و تتوسطها مجموعة من الكَفف في المركز.

الكَفه الحديثة

مع زوال الوسائل التقليدية بشكل كبير في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، استمرت صناعة الكَفه لكن هذه المرة بأستخدام الصفائح المعدنية. فقد رأينا نماذج من تلك الكَفف المعدنية تُستعمل من قبل صيادين الأسماك في مواقع عدة، بما في ذلك مدينة الحلة (الواقعة على نهر الفرات) ومدينة الكوت (الواقعة على نهر دجلة).