صناعة المشحوف

         فن بناء القوارب          

تعتبر صناعة المشاحيف مهارة يدوية، وفي حالة القوارب الأكثر تعقيداً ورُقياً مثل الطرادة، فإن المجتمع المحلي يعتبر صناعتها كنوع من أنواع الفن. تُقاس أبعاد كل قيرب بالعين المجردة، مع عصاة وخيط كأدوات للقياس وفورمة (زاوية ثابتة القياس) تستخدم لقياس زوايا الجوانب للقيرب. تُعتبر كل طرادة عملاً فنياً، و فريدة الخصائص التي تتبع صانعها: يمتلك كبار العمر في هذا المجتمع، من الذين قابلناهم و عملنا معهم، القدرة على تمييز صانع كل مشحوف من خلال النظر فقط على صور القيرب الفوتوغرافية.

         المقدمة الايقونية

تعتبر المقدمة المنحنية المرتفعة للمشاحيف والطرادات والجليكات ايقونة بصرية، و يمكن رصدها في الفن العراقي منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث. حيث يبدو انها تجمع بين الوظائف العملية (وظائف ايروديناميكية تساعد القيرب في شق طريقه أسرع وتقليل مقاومة الهواء، كما تعطي المجدفين القدرة على السيطرة من موقع أعلى) بالإضافة الى القيمة الجمالية التي تمتلكها. تعتبر المقدمات البارزة رمزاً للمكانة الرفيعة، وهناك بعض المقدمات الخاصة والتي ترتبط ببعض القبائل أو الصنّاع في المنطقة: مثل النوفلية (والتي تمتلك مقدمة أكثر إستقامة) والتي أخذت اسمها من اسم القبيلة التي فضلت هذا النوع من القوارب، وهناك الفارسية (تمتلك مقدمة أكثر ضيقاً وإمتداداً) والتي تمت صناعتها من قبل صانع قوارب معروف إسمه فارس.

         الطرادة: مشحوف مُزيّن

ركزنا خلال ورشنا الخاصة بالمشحوف على صناعة الطرادة، حيث قمنا ببناء طرادتين بطول ٩ متر كنماذج لدراسة تقنيات صناعتها، وبعد ذلك قمنا بإعادة ترميم طرادتين بطول ١١ متر كنماذج عمل للطرادة التي بُنيَت للمستكشف البريطاني ويلفريد ثيسيجر في خمسينيات القرن الماضي. اعتُبرت الطرادات قوارب ذات هيبة ومقام، كبيرة الحجم منها تكون بأبعاد (١٠-١٤متر) ذات مقدمة مرتفعة والتي تُصنَع خاصة لشيوخ الأهوار. كانت تُزَين من الداخل بزخرفات من مسامير الزينة، و هي شكل من اشكال الزينة المحلية.

 

انحسر استخدام الطرادات بعد ثورة ١٩٥٨ عندما هوجم النظام الإقطاعي في المنطقة. و تحول استخدامها في سبعينيات القرن الماضي الى استخدامات أخرى مثل نقل الأطفال الى المدارس. أما حديثاً، فقد إستحوذت السيارات على أغراض التنقل.

         بناء المشحوف من الأرض، صعوداً

تتطلب عملية بناء المشحوف أن نقوم اولاً بتسوية الأرض ومن ثم رشها بالمياه. يتم استخدام المسامير والخيوط لرسم الخطوط الخارجية على الأرض وأبعاد قاعدة القيرب، وأحياناً يُستخدم الطابوق في ذلك. يتم صناعة القيرب من رقائق والواح خشبية )عادةً من خشب الصنوبر لصناعة القوارب الرخيصة، او من خشب الساج لصناعة القوارب الأفضل نوعية). تُربط هذه الالواح معاً بعروق مصنوعة عادةً من أغصان التوت التي تُزرع في وسط العراق، والتي تعتبر من الأشجار القوية التي تقاوم التعفن. لكل عرق حافة مربعة على كل من الجهتين حيث تحدد بداية القيرب. و تتحدد زوايا منطقة الركوب في مقدمة المشحوف و مؤخرته من خلال وضع الجك في الأسفل.

         أعمال بناء خشبية: الهيكل والإكساء

 بمجرد اكتمال وضع الأساس، يبدأ وضع الأضلاع على جانبي القيرب ويتم ربطها معاً بجذوع تحدد شكل مقدمة القيرب ومؤخرته. بعد ذلك يتم إكساء هيكل القيرب بألواح خشبية. ثم تضاف مقاعد للمجذفين (هي عبارة عن الواح خشبية تمتد بين جانبي القيرب، تُدَعّم القيرب وتقويه وتستخدم كمقاعد أيضاً)، و بعد ذلك يتم ربط الهيكل كاملاً بالمسامير. وقبل تزفيت القيرب، تُملأ الفجوة بين الكساء الداخلي والكساء الخارجي بالقصب قديماً، أما حديثاً فتُملأ أحياناً بالورق؛ وعادة تتم هذه العملية بأيادي مساعد صغير بالعمر لا زال يتعلم المهنة.

         التزفيت: مهارة مُختص

يستخدم أفضل أنواع الزفت (القير) لتزفيت هذه القوارب والذي يُجلب من مدينة هيت في محافظة الأنبار. أبو سجاد، مُضيفنا في الهوير، ينحدر من عائلة معروفة لزمن طويل بتجارة القير القادم من هيت. تتوفر عدة أنواع من القير الهيتي، و تختلف لزوجته من نوع إلى آخر، ويستخدم أكثرها لزوجه وأقواها لتزفيت المشاحيف. يتم تزفيت كل قيرب بطبقتين من القير، و تُستخدم أسطوانات (صقلة) مختلفة لتزفيت كل طبقة. يتم فرد القير ذو الحرارة المرتفعة على القيرب باستخدام الأيادي و ذلك بعملية تتطلب الكثير من المهارة، وتُغطى أيادي الصانع الذي سيقوم بهذه العملية بالزيت لحمايتها من الحرارة المرتفعة. وأخيراً، يتم رش رمال نهرية ناعمة جداً على طبقة القير وذلك لمنعه من الإلتصاق.

         عملية تسبب التلوث

يتم تنقية القير من الشوائب بوضعه في أواني معدنية كبيرة وإشعال النار أسفل هذه الأواني بإستخدام القير الأكثر سيولة من بين الأنواع المستخدمة، وكذلك باستخدام مواد صلبة كالخشب والإطارات القديمة. تتم إعادة عملية التزفيت لأكثر من مرة خلال فترة استخدام القارب. يبقى طلاء القير لمدة سنة الى سنتين (و لفترات زمنية أطول في حال تم الاحتفاظ بالقوارب في الماء)، قبل ان يُنتزع و يُستبدل بطبقة جديدة. تُعَد عملية إعادة التزفيت عملية تلوث بيئي شديدة، لذلك نحن نقوم بدراسة طرق بديلة لعمل العزل المائي للمشحوف ضمن عملنا في مشروعنا.

         إعادة إكتشاف الخصائص التاريخية

ظهرت مجموعة من الاكتشافات غير الموثقة خلال الفترة المنصرمة والتي كنا خلالها نقوم بمقابلات مع أبناء مجتمع الهوير تخص التاريخ الشفاهي. كانت أكثرها إثارة للإهتمام هي تلك التي ذكرها بعض من كبار السن و التي تتعلق باستخدام الأشرعة والسقائف في الطرادات؛ كان منهم الشيخ أبو ناصر، و الذي قام بإعادة بناء هذه التفاصيل لنا. عمل الشراع الذي قام بصناعته بطريقة مثالية، و دعم ذلك ما قاله عن إستخدامها سابقاً، على الرغم من عدم ظهور أية أشرعة في الصور التي إلتقطها زوار الأهوار سابقاً، مثل ويلفريد ثيسيجر في خمسينيات القرن الماضي و كافن يونغ في سبعينيات القرن الماضي.